أبي عبد الله الزنجاني

24

تاريخ القرآن

والذكاء بادية على وجهه ، قيل فلما نزل بصرى « 1 » مع عمه رآه راهب مشهور بالصلاح والتقوى يدعى ( بحيرا ) فقال : ( سيكون من هذا الفتى أمر عظيم ينتشر ذكره في مشارق الأرض ومغاربها ) ، ولما بلغ الخامسة والعشرين خرج إلى الشام في تجارة للسيدة خديجة بنت خويلد مع غلامها ميسرة وعاد إليها بربح عظيم ، وقد أعجبها جدا مهارته وصدقه وأمانته ، فخطبته لنفسها ، وكانت من أعظم نساء قريش فضلا ، وأكثرهن مالا ، وأوضحهن نسبا ، فكان له من شرف بيتها وثروتها خير معين قبل البعثة وبعدها . وقد شب النبي محمد ( ص ) على كرم الخلق ، وعزة النفس ، وشدة الغيرة على قومه ، حتى كان لا يطيق أن يراهم على ضلال ، وكان متين الاعتقاد بوجود اللّه ووحدانيته ، وبالبعث والخلود ، وكان تقيا ورعا محبا للزهد والنسك ، وكثيرا ما كان يذهب إلى غار حراء قرب مكة للصلاة والعبادة ، وبقي حتى ناهز الأربعين من عمره ، ففي ليلة القدر الموافقة 1 فبراير سنة 610 م بينما كان في غار حراء ظهر له الروح الأمين وأمره بالقيام بالدعوة ( والرسالة ) ، وأخبر بذلك زوجته خديجة ، فآمنت به وآمن به ابن عمه علي بن أبي طالب ( ع ) ، ومولاه زيد بن حارثة ، وصاحبه أبو بكر ( ض ) ، وكان أبو بكر رجلا سهلا محببا لقومه ، فجعل يدعو إلى الإسلام سرا من وثق به منهم ، فأسلم على يده عثمان ابن عفان ، والزبير بن العوام ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص ، وطلحة بن عبيد اللّه ، فكان هؤلاء المسلمين السابقين ، وظل النبي ( ص ) يخفي الدعوة ثلاث سنين حتى بلغ أتباعه نحو الأربعين ، وفيهم عمر بن الخطاب ( ض ) وعمه حمزة ، ثم جهر بها وأنذر عشيرته الأقربين ، فنبذوا دعوته وسعوا في إبطالها بكل قواهم لأنهم كانوا رؤساء دين العرب وأهل البيت الحرام ، وخافوا إذا أتوا بدين جديد أن تنتقض عليهم العرب فتبور تجارتهم ، وفوق ذلك فإنهم لم يطيقوا أن يستأثر النبي محمد ( ص ) بالسيادة عليهم على قلة ماله ،

--> ( 1 ) مدينة قديمة شهيرة كانت معمورة في عهد الرومانيّين واقعة على 90 كيلومترا من دمشق ، وفيها كانت صومعة الراهب المشهور ( قاموس الأعلام التركي ) .